لاتحزن

بقلم الشيخ /عبدالناصر سيد علي "مدير عام منطقة الدعوة والإعلام الديني بالمنوفية"

لاتحزن فالحزن ليس مطلبا شرعيا ولامقصودا أصلا .

فالحزن منهي عنه في قوله تعالي (ولاتهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين )   

وقوله تعالي (فلاخوف عليهم ولاهم يحزنون ) 

فالحزن خمود لجذوة الطلب وجمود لروح الهمة وبرود في النفس وهو حمى تشمل جسم الحياة، ويسر ذلك أن الحزن موقف غير مسير ولامصلحة فيه للقلب وأحب شئ إلي الشيطان أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه..قال تعالي  (إنما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا)، ونهي النبي (ص) العلاقه أن يتناجى أثنان منهم دون الثالث لأن ذلك يحزنه .

وحزن المؤمن غير مرغوب فيه ولا مطلوب لأنه من الأذى الذى يصيب النفس وقد طلب من المسلم طرده وعدم الاستسلام له ودحضه ورده ومفاوضه ومغالبته بالوسائل المشروعة فالحزن ليس بمطلوب ولامقصود ولافيه فائدة وقد استعاذ منه الرسول (ص) حيث قال: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن فهو قرين الهم.

والحزن تكدير للحياة وتنفيض للعين وهو مصل سام للروح ويورثها الفتور والنكد والحيرة ولهذا يقول أهل الجنه إذا دخلوها: الحمدلله الذي أذهب عنا الحزن، فإذا جل الحزن وليس للنفس فيه حيله وليس لها في استجلابه سبيل فهي مأجورة علي مأصابها لأنه نوع بين المصائب.

وأما حديث هند بن أبي هاله في صفة النبي أنه كان متواصل الأحزان وقد صانه الله عن الحزن علي الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن علي الكفار وغفرله ماتقدم من ذنبه وماتأخر فمن أين يأتيه الحزن وكيف يصل إلي قلبه ومن أي الطرق يثاب إلي فؤاده وهو معمور بالذكر ريان بالإستقامة فياضا بالهداية الربانية مطئن بوعد الله راض بأحكامه وأفعاله بل كان دائم البشر ضحوك السن .

وأما قوله تعالي . (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم )

فهو إخبار عن حالة بمصابه بفقد ولده وحبيبه وأنه ابتلاه بذلك ومجرد الإخبار عن الشئ لايدل علي استحسانه ولاعلى الأمر به ولاالحث عليه بل  أمرنا نستعيذ بالله من الحزن فإنه سحابه ثقيله وليل جاثم طويل وعائق في طريق السائر إلي معالي الأمور، فعليك بسؤال الله الحياة الطيب والعيش الرضيه وصفاء البال فإنها نعم عاجله حتي قال بعضهم: (إن في الدنيا لن يدخلها لم يدخل جنة الآخرة).

سأل موسي ربه أن يكف ألسنة الناس عنه فقال الله عز وجل موسي ما اتخذت ذلك لنفسي إني أخلقهم وأرزقهم وهم يسبوني ويشتمونني، فلك أن تقنع بما قسم الله لك من جسم ومال وولد وسكن وموهبه وهذا منطق القرآن فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين قد كان حدادا وزكريا نجارا وإدريس خياطا وهم صفوة الناس وخير البشر .

لاتحزن لأنك جربت الحزن بالأمس فما نفعك شيئا رسب أبنك فحزنت فهل نجح؟ مات والدك فحزنت فهل عاد حيا؟ خسرت تجارتك فحزنت فهل عادت الخسائر أرباحا؟

لاتحزن لأنك حزنت من المصيبه فصارت مصائب وحزنت من الفقر فازددت تكبدا وحزنت من كلام الناس (أعدائك) فأعنتهم عليك وحزنت من توقع مكروه فما وقع .

لاتحزن فإنه لن ينفعك من الحزن دارا واسعه ولازوجة حسناء ولامال وفير ولامنصب هام ولا أولاد نجباء.

لاتحزن لأن الحزن يريك الماء الذلال علقما والوردة حنظلة والحديفة صحراء قاحلة والحياة سجنا لايطاق.

 لاتحزن وأنت عندك عينان وأذنان وشفتان ويدان ورجلان ولسان وحنان وأمن وأمان وعافية في الأبدان فبأي ألاء ربكما تكذبان .

لاتحزن ولك دين تعتقده وبيت تسكنه وخبز تأكله وماء تشربه وثوب تلبسه وزوجة تأوي إليها فلماذا تحزن.

لاتحزن إن كنت فقيرا فغيرك محبوس في دين وإن كنت تشكوا من آلام فالآخرون مرقدون علي الأسرة البيضاء ومن سنوات وإن فقدت ولدا فغيرك فقد أولادا وفي حادث واحد.

لاتحزن…

لأنك مسلم آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر وبالقضاء خيره وشره وأولائك كفروا بالرب وكذبوا الرسل وأختلفوا في الكتاب وجحدوا اليوم الآخر وألحدوا بالقضاء والقدر.

لاتحزن إن أذنبت فتب، وإن أسأت فاستغفر، وإن أخطات فأصلح فالرحمة واسعة والباب مفتوح والغفران جم والتوبة مقبوله لاتحزن لأنك تقلق أعصابك وتهز كيانك وتتعب قلبك وتنفض مضجعك وتسهر ليلك.

ولرب نازلة يضيف بها الفتر زرعا وعند الله منها المخرج.

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لاتفرج.

لاتحزن ممن جحد إحسانك وكفر معروفك فأنت تريد الثواب من الله.

ولاتهتم ولاتغتنم إذا أحسنت لأحد من الناس، وجدته لئيما لايقدر هذه اليد البيضاء ولا الحسنة التي أسريتها إليه فاطلب أجرك من الله، افعل ماهو صحيح ثم أدر ظهرك لكل نقد سخيف.

وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضانه والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.