حـــب…. لا يموت

بقلم:محمد سليمان

قابلته و هي في الثلاثين من عمرها في وقت ظنت أنها فقدت القدرة على الحب و
الحلم و الأمل و أشياء أخرى تحتاج إليها المرأة

ألتقته بعد أن كادت تنسى أنها امرأة و لاينقصها أن تشعر كما تشعر أي امرأة
قابلته بعد أن ذاقت من الأشياء أمرها

بعد أن ذاب أملها في الشعور بالسعادة يوما و بعد أن أصبح الفرح بالنسبة لها واحدا من مستحيلات البشر

عندما جاءها بقلبه الكبير و بحور حنانه الباحثة عن أنثى تعرف أنها امرأة و تدرك أنه حصنها

اقترب منها كالأحلام الهادئة داعب أنوثتها ووهبها عشقا كعشق فرسان الحكايات القديمة

طرق بابها في أشد مراحل حياتها ظلمة ليمنحها باقة من النور تعيد لقلب امرأة نبضه من جديد

فهو لم يكن فقط آخر أطواق النجاة من بحور يأسها بل كان القبطان و السفينة و الشاطئ

بدلها تماما ….. نسف هواجسها داخليا و خارجيا و لون كل المساحات السوداء في كيانها فأحبته و تعلقت به تعلق الأم بطفلها …. تعلق الأنثى بفارسها …. تعلق الجسد بالروح

فأحست معه بأمان لم تحسه طيلة عمرها
أقترب من أعماقها

ملأ إحساسها فصار كالدماء في عروقها يسري في جسدها مع أنفاسها … بدل كيانها
فكانت تنام على وعوده و تستيقظ على صوته و تغيب معه عن العالم بأحلامها
أحست أخيرا أن من حقها أن تمنح نفسها حق الحلم كسواها
حلمت بأطفال كعدد النجوم و ارتسمت في خيالها ليلة عمرها و فستانها الأبيض و جنتها معه التي ستحيا فيها كالملكة على عرشها

فقد كان رجلا رومانسيا شفافا بادلها أحلامها بنقاء وهبها حبا لا تصفه الكلمات
فهي أخيرا لم تكن بالنسبة له أيضا مجرد حكاية يسعى لإنهاء دوره فيها
لم تكن مجرد رقما في ذاكرة علاقاته و لم يسجلها يوما كموعد قابل للإلغاء
فقد كانت شيئا آخر و إحساسا مختلفا
كانت امرأة لا يشعر أنه رجلا بدونها
فقد اعتادت وجوده في حياتها كما اعتاد عالمه بها
كان إحساسهما نقيا طاهرا لم تدنسه مواعيد الغرام
فقد كان يحفظها كعرضه و تصونه كعينها

سألها يوما …….. ماذا لو خنتك ؟
قالت : سأقتلك
قال : و ماذا لو مت ؟
قالت ستقتلني
عندها أدرك أن لحياته قيمة و أحست أن لبقائها سببا
فتمني أن يعيشا للأبد ليجنبها ألم فقدانه و ليضمن بقاؤها
عاد و سألها

من تحبين أكثر أنا أم أنا ؟
فأجابته بهمس امرأة عاشقة تسبق لغة عينيها لغة شفتيها : أحبك أنت أكثر من أنت
وذات مساء انتظرت سماع صوته كالعادة
مرت الدقائق و تلتها الساعات و شيء ما في قلبها بدا ينشغل …. شيء تتجاهل صوته لكنه يلح بداخلها …… يصرخ بداخلها أنه لن يعود
شيء يوقظ بداخلها كل ظنون الأنثى بأن فارسها لن يعود في لحظة الانتظار
تساءلت

ترى هل نسي ؟ هل خان ؟ هل رحل ؟ هل هل هل …….
و مع أول شعاع صباح حدثها أحدهم ليخبرها بضرورة وجودها في المستشفى لأن شخصا عندهم يصر على رؤيتها قبل دخوله غرفة العمليات
هناك ……. بين جدران الغرف البيضاء ألتقته
باسما في وجهها كعادته برغم آلامه و هو يقول لها : سامحيني …..
أعلم أن رحيلي سيسرق منك كل شيء
أعلم كيف سيكون ليلك بعدي
أعلم مساحة الرعب التي سيخلفها رحيلي في عالمك
أعلم أن لا شيء سيملأ فراغك بعدي ……. و ستقتلك الذكريات
أعلم تحت أي مقاصل العذاب ستنامين
اعلم كم ستبكين و كيف ستبكين
أعلم أنني خذلتك و أنك ستغفرين
ثم مضى به الممرضون و هو طريح الفراش إلى مصيره المجهول
كانت رائحة الوداع تملأ حديثه و لكنها تماسكت و نظرت إلى السماء بعين تجمدت دموعها و تعلقت بآخر قشة أمل أن يعود إليها بالروح التي سلبها منها
أنتظرت ……… وأنتظرت ………
كانت تردد بينها و بين نفسها ….. ماذا لو رحل ؟
كيف حياتها بعده ؟ بل ماذا سيبقى من حياتها ؟
لم تحتمل ثقل شيطانها وساوسها فجلست فوق الأرض مكانها
فما عادت قدماها تقويان على حملها
استندت إلى الجدار في انتظار رحمة القدر بلقبها الذي يرجف ذعرا
من بعيد …….. لمحته يأتي
يتقدم ببطء نحوها
إنه الطبيب الذي أجرى له العملية
تمنت أن يقف مكانه ………… لا يتقدم أكثر …. لا يصلها
ألا يفتح فمه و يخبرها بنبأ رحيله
دقات قلبها تزداد ….. أنفاسها تتصاعد …… عقلها يتساءل بدمعة ملتهبة تسيل على خدها
هل رحل ……. ؟ هل رحل ……
أغمضت عيناها ………. ووضعت يديها على أذنيها
لا تريد أن تسمع …… لا تملك القدرة على أن تسمع نبأ كهذا
لا أحد يعلم كم من الوقت مر من قبل أن يصلها الطبيب
لحظات ……. ربما سنوات
لكنه أخيرا وصل
وقف أمامها باسما ……. قائلا :
كتب له عمر جديد يا سيدتي ……. نجحت العملية و سيعيش
انتظر أن تنطلق منها صرخة الفرح
لكنها صمتت …… لم تنطق
و لن تنطق أبدا
لقد رحلت هي …. قتلها الانتظار و الخوف و الحب
لقد رحلت
فهي امرأة رفضت الحياة في غياب من أحبته و لو للحظات
و هو رجل رفض الموت حتى لا يغيب عن من أحبها
فيا ترى ……
من قتل من ؟